التراث الإنساني
صنعاء القديمة: جوهرة العمارة الطينية ونبض التراث الإنساني
تُعد مدينة صنعاء القديمة واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في التاريخ؛ إذ يعود تاريخ بنائها وتأسيسها الأول بحسب الروايات الإخبارية والتاريخية إلى "سام بن نوح" عليه السلام بعد الطوفان، ولهذا عُرفت تاريخياً بـ "مدينة سام". وقد بدأت المدينة تأخذ شكلها الحضري والحصين كعاصمة منذ القرن الخامس قبل الميلاد في عهد ملوك سبأ، وتحديداً بعد بناء "قصر غمدان" الشهير الذي يُمثل أول ناطحة سحاب في التاريخ الحاضن للنواة الأولى للمدينة.
مرت العمارة في صنعاء القديمة بمراحل تطور ذهبية شكلت هويتها البصرية الفريدة؛ فبعد العهد السبئي والحِميري وتشييد القصور الشاهقة، جاءت المرحلة الإسلامية لتعيد رسم خارطة المدينة المعمارية من خلال بناء "الجامع الكبير" في عهد الرسول محمد ﷺ، والذي يُعد أول مسجد بُني في اليمن. تلتها مرحلة الحكم الأيوبي والرسولي التي أضافت للمدينة طابع المدارس والمآذن الشاهقة، ثم المرحلة العثمانية التي دمجت بين الفن المحلي واللمسات التركية، لتتحول المدينة إلى متحف مفتوح يتميز بـ "القمريات" الزجاجية الملونة، والزخارف الجبسية البيضاء (النورة) فوق واجهات الطوب الآجر (الياجور) البني.
على عكس المدن التاريخية العالمية، لم يرتبط تميز صنعاء القديمة بمهندس فردي واحد، بل كانت نتاج تراث تراكمي ابتكره "الأُسطى الصنعاني" (وهو اللقب التقليدي لكبار البنائين والمهندسين التقليديين في اليمن). هؤلاء المهندسون الشعبيون تداولوا أسرار البناء والتخطيط شفهياً وعملياً جيلاً بعد جيل، واعتمدوا على هندسة فطرية مذهلة توازن بين المناخ، والضوء، والمتانة باستخدام مواد محلية الصنع كلياً كالحجر والطين والجبس.
نظراً للقيمة الإنسانية الاستثنائية التي تمثلها المدينة بعمارتها التي لم تتغير معالمها الرئيسية منذ أكثر من ألف عام، قامت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بإدراج صنعاء القديمة رسمياً ضمن قائمة التراث العالمي في عام 1986. كما تم تصنيفها في العديد من الأدبيات السياحية والثقافية الدولية كإحدى "عجائب الدنيا" غير الرسمية من حيث العمارة الطينية الفريدة التي تقاوم الزمن.